هل سبق وتمعنّت في مشهد الطواف من قبل؟ أناس من مختلف البقاع يحملون مختلف العادات والخلفيات والثقافات، يتحدثون بلغات مختلفة، لكنهم يطوفون حول الكعبة في خشوع وتركيز على وتيرة واحدة بانسجام تام؛ مشهد من أسمى مشاهد الانسجام مع الكون والفطرة إن أمعنت النظر! وإن سألت معتمرًا أو حاجًا عن شعوره، فسيصف لك خليطًا من الألفة والسكينة والخشوع والعظمة، كأن في تلك اللحظة لم يتبقَ في الكون سواه والكعبة!
في شريعة المسلمين، الحج هو الركن الخامس من الأركان الإسلام، وهو فريضة لمن استطاع ويؤدى في الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة. أما العمرة فهي سنة مؤكدة عند جمهور علماء المسلمين ويمكن تأديتها في أي وقت في العام. ويؤدي الشخص بعض المناسك والشعائر الخاصة بكل منهما تقربًا لله وطمعًا في رضاه وطلبًا لعطائه ونعيمه.
وفي هذا المقال، سنستطرد بالحديث عن الحج والعمرة ومناسك كل منهما، إضافة إلى أبرز الأماكن ذات الأهمية الدينية في السعودية.
الحج: الركائز الأساسية لممارسة شعيرة عظيمة
قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾
مناسك الحج هي عبارة عن أربع أركان لا يصح الحج بدونها، إضافة إلى بعض الواجبات التي يصح الحج بدونها لكنّ أداءها له ثواب عظيم وتمام في الأجر. وكل واحد من هذه الأركان والواجبات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وحياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي كالآتي:
الإحرام:
الإحرام هو الركن الأول من أركان الحج، ويكون بالنية ثم بارتداء ملابس الحج الخاصة والامتناع عن بعض المحظورات كقص الأظافر وحلق الشعر. وترسم ملابس الإحرام صورة ترمز إلى الابتعاد عن الملذات الدنيوية والتوجه إلى الله بكامل الخضوغ والبساطة طمعًا في رضاه، حيث تكون ملابس بسيطة خالية من الزينة تتكون من إزار ورداء أبيضين نظيفين غير مخيطين، بشرط أن يغطي الإزار السرة والركبتين، والرداء يغطي الكتفين، مع كشف الرأس واليدين للرجال، ولباس فضفاض يستر جميع الجسم، دون تبرج، مع كشف الوجه واليدين للنساء. وبهذا يتساوى المسلمون مهما كانت خلفياتهم أمام الخالق.
الوقوف بعرفات:
لجبل عرفات قيمة كبيرة في الدين الإسلامي، حيث قيل أنه الجبل الذي التقى فيه آدم وحواء بعد هبوطهما إلى الأرض، وعليه أتم الله الدين الإسلامي للنبي صلى الله عليه وسلم. أما عن الوقوف فيه فهو يرمز إلى وقوف الناس بين يدي الله تعالى يوم القيامة، ويكون هذا الركن هو الركن الأهم في الحج حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة". ويتم استيفاء هذا الركن بالوفود إلى جبل عرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة والوقوف في محيط الجبل من غروب شمس هذا اليوم وحتى مطلعها في اليوم العاشر أو يوم النحر. وينشغل المسلمين طيلة الوقت بالدعاء والتلبية والصلاة وجميع صور الخضوع والتبجيل إلى الله سبحانه وتعالى.
طواف الإفاضة:
يجسد هذا الطواف تعظيم البيت وتجديد العهد مع الله، وهو اتباع لأمر الله لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتطهير البيت للطائفين والعاكفين، ورمز للتوحيد المحض. وسمي هذا الطواف بالإفاضة لأن الحجاج يفيضون من منى إلى مكة، ويتحقق بالطواف سبع مرات حول الكعبة ثم تأدية ركعتين خلف مقام سيدنا إبراهيم بعد الوقوف في عرفة والمبيت في المزدلفة ورمي الجمرات، ومن ثم النحر في يوم النحر. وبتأديته ومن ثم السعي بين الصفا والمروة يكون الحاج قد تحلل من الحج التحلل الأكبر وبهذا تباح له جميع محظورات الحج كالحلق والتقصير وتقليم الأظافر وغيرها.
السعي بين الصفا والمروة:
هذا الركن مستمد من قصة السيدة هاجر والنبي إسماعيل، حين تركهما نبي الله إبراهيم وحدهما في مكة بأمر من الله وقد كانت وادٍ غير ذي زرع، حيث سعت السيدة هاجر بين جبلي الصفا والمروة بحثًا عن ماء تسقي فيه رضيعها أو مغيث لهما، وفي الشوط السابع والأخير كافأها الله بتفجير بئر زمزم تحت قدمي سيدنا إسماعيل، وهو البئر الذي ما زال يتدفق إلى يومنا هذا بفضل الله.
وفي هذا الركن يبدأ الحاج بالسعي بدءًا من جبل الصفا وانتهاء بجبل المروة في سبعة أشواط إحياءً لسنة السيدة هاجر. ويجب السعي بعد إتمام الطواف ويستحب الدعاء في أثنائه، وبإتمامه يتم الحج ويمكن للحاج أن يتحلل من الإحرام. أما بالنسبة للأشواط، فيحتسب السعي من الصفا إلى المروة شوطًا والعودة شوطًا آخر.
العمرة: رحلة صغيرة لكن سكينة كبيرة
للعمرة أيضًا فضل عظيم، فما بين العمرة والعمرة كفارة لصغائر الذنوب، حيث قال النبي : ”العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما."
العمرة هي زيارة بيت الله الحرام في مكة المكرمة في أي وقت من السنة لأداء مناسك معينة. وتختلف العمرة عن الحج بعدة أمور أهمها أن الحج يعد فريضة لمن استطاع أما العمرة فهي سنة مؤكدة، فقد اعتمر النبي أربع مرات كلهن في ذو القعدة ما عدا واحدة حيث قرن النبي بين العمرة وحجة الوداع في ذي الحجة. كما يختلفان فيما بينهما بالأركان، وقد سبق وتعرفنا على أركان الحج، أما أركان العمرة فتقتصر على الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير. وتكون خطوات العمرة كالآتي: أولًا الإحرام، ويكون نفسه كما في الحج، ثم الطواف حول الكعبة، ثم السعي
الإحرام
كما في الحج، يكون الإحرام هو الركن الأول ويتم بعقد النية للعمرة وارتداء ملابس الإحرام. وتستحب التلبية في هذا الوقت حيث يقول المعتمر: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك."
الطواف حول الكعبة
يتم هذا الركن بالطواف حول الكعبة سبع أشواط عكس عقارب الساعة، حيث تكون الكعبة على يسار المسلم ويبدأ الطواف من الحجر الأسود وينتهي به. ويستحب الإكثار من الدعاء في المسجد الحرام وعند الكعبة، حيث إنها لحظة من السكون النفسي للمسلم وأسمى لحظات التواصل بين العبد وخالقه. ومن الأدعية المستحبة والمأثورة نذكر لكم:
- عند دخول المسجد الحرام أن يقول المسلم "اللهم افتح لي أبواب رحمتك" و "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم."
- عند رؤية الكعبة "اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره."
- عند الطواف يستحب أن يقول "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" بين الركن اليماني والحجر الأسود، ثم يسأل الله ما يريد من خير الدنيا والآخرة في بقية الطواف. أما عند استلام الحجر الأسود فيقول "بسم الله، والله أكبر."
السعي بين الصفا والمروة
السعي بين الصفا والمروة يبدأ من الصفا ويقول "نبدأ بما بدأ الله به" وينتهي بالمروة، ويستحب أن يقول عند الصعود "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده." ثلاث مرات ثم الدعاء بما شاء. وفي الختام أو عند الحلق والتقصير يقول "اللهم تقبل مني ولا تجعل هذا آخر عهدي ببيتك الحرام، واغفر لي ذنوبي كلها."
التقصير أو الحلق
هناك خلاف بين العلماء على كون الحلق أو التقصير ركنًا أم واجب، ولكن لا تصح العمرة بدونه. ويكون الحلق بحلق جميع الرأس أما التقصير فبأخذ بعض شعر الرأس. ويكون دليلًا على انتهاء الإحرام والتحلل منه دلالة على نهاية العمرة.
ما المواقع الدينية في محيط الحرمين الشريفين؟
ومع أن الإسلام قد أولى مكانة كبيرة للحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة، إلا أن المواقع الدينية لا تقتصر عليهما فحسب! فبالنظر إلى سيرة نبينا محمد، سنلاحظ ذكر الكثير من الأماكن التي لها قيمة دينية في نفوس المسلمين. ومن هذه الأماكن الدينية المهمة جبل أحد ومسجد قباء ومسجد القبلتين، فكل واحد من هذه الأماكن مرتبط بمنعطف تاريخي مهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
فجبل أحد قال فيه النبي "إنه جبل يحبنا ونحبه" وقد شهد معركة أحد المفصلية التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة، حيث تكبدّ المسلمون خسائر فادحة ولكنها كانت درسًا عظيمًا في العقيدة والصبر. وقد استشهد خلال هذه المعركة عدد من الصحابة الذين دُفنوا فيما بعد في مقابر الشهداء بالقرب من هذا الجبل، وأبرزهم عم النبي حمزة بن عبد المطلب، ويتوافد الكثير من المسلمين إلى هذه المقابر للدعاء للشهداء.
أما مسجد قباء، فهو أول مسجد في الإسلام، حيث تم بناؤه على المشارف الجنوبية للمدينة خلال هجرة النبي من مكة المكرمة. وله مكانة عظيمة في الإسلام فعدى عن كونه أول مسجد على وجه الأرض، ومعلم شامخ يشهد على قصة هجرة أشرف خلق الأرض لإتمام دعوته قبل أربعة عشر عامًا، فالصلاة فيه تعدل عمرة كاملة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «من تطهّر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرة.» كما نزلت فيه الآية الشريفة من سورة التوبة: «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.» وهنا يشهد الله أنه مسجد تأسس على التقوى. ومشهد بنائه مشهد عظيم، فعند نزول النبي في قرية قباء، حمل الحجر الأول لهذا المسجد بيديه الشريفتين ثم وضعه ليكون حجر الأساس، ليأتي بعده أبو بكر الصديق ويضل الحجر الثاني بجانبه، ثم عمر بحجر آخر إلى جانب الحجرين السابقين في صورة تحكي قصص التلاحم والتعاضد والإخلاص لله. وقد اعتنى المسلمون بهذا المسجد عبر العصور، فجددوا بناءه وأضافوا له الأروقة والرحاب والمآذن، لأهميته في نفوسهم.
أما مسجد القبلتين فيستمد أهميته بأنه المسجد الذي شهد تغيير القبلة في السنة الثانية للهجرة، ففي أثناء صلاة الظهر صلى النبي ركعتين باتجاه بيت المقدس، ثم نزل الوحي بالأمر الإلهي بتغيير اتجاه القبلة فاستدار وصلى ركعتين باتجاه الحرم المكي الشريف. ويقع المسجد شمال غرب المسجد النبوي.
وهذه من المعالم الإسلامية المهمة في التاريخ الإسلامي والتي يزورها المسلمون بهدف استشعار عظمة الرحلة التي مر بها النبي لتوصيل رسالته إلى العالم أجمع.
التجربة الروحية للزائر: كيف تعمق الرحلة الإيمان؟
هذه الأماكن ليست مجرد أبنية ومزارات، بل إن لها قيمة معنوية في نفس كل مسلم، فعند زيارتها يقف المسلم حيث وقف النبي قبل قرون، ويستشعر صعوبة الرحلة التي مر بها الرسول لتوصيل دعوته. وهي أماكن حفّها الله بالطمأنينة والسكون الذي ينعكس في قلب المسلم وينطبع في جوارحه، وهنا يترك الدنيا بملذاتها خلفه ويشد الرحال ليستشعر قربه من خالقه ويتذلل بين يديه. وفي أثناء هذه الرحلة المليئة بالسكينة يلهج اللسان بالدعاء والتهليل لله ويتقرب منه بالطاعات والصلاة والنوافل طمعًا بكرم الله ورضاه، فإذا رضي أعطى بلا حساب.